ميدنة على مياه هائجة
تُكتب المدينة وتُعاد كتابتها باستمرار، حيث يتقاسم كل بناءٍ حديث أرضه مع طيف ما سبقه؛ ورغم زوال آثار الهدم عن التراب، فإنها تظل حية في الذاكرة، لِتنسجم الحكاية الفردية مع القصة العمرانية التي ما تزال تفاصيلها تتكشف. وهكذا يواصل تاريخ المدينة حراكه على السطح وفي الأعماق: متجسدًا في معمارها، ورسم شوارعها، وبنيتها التحتية، وفي الإيقاع اليومي لحركة أجساد قاطنيها.
نَمَت تل أبيب-يافا من رحم أفكارٍ تتطلع لبداية جديدة، لكنها بُنيت على أرضٍ كانت تحمل بالفعل ذكرياتٍ وحياةً وآثارًا. ومنذ ذلك الحين، تستمر المدينة في التراوح بين البناء والمحو، وبين الرؤية والاستفاقة، وبين الانتماء والتهجير. إنها تُبدّل وجهها باستمرار، غير أن الملامح السابقة تظل تطلّ من تحت هذا الوجه الجديد، رافضةً أن تندثر.
يتأمل الفنانون والفنانات المشاركون في المعرض المدينةَ من خلال المواد التي تتشكل منها: فوم البوليسترين (الكلاكار) الذي يتوق لأن يكون حجرًا، شظايا البلاط التي قذف بها البحر، خيوطٌ ترسم الذاكرة، مياهٌ تنساب تحت الشوارع، وصورٌ أرشيفية تطفو على سطح الحاضر. وهكذا، عبر هذه المواد بالذات، تُعاد صياغة المدينة وخلقها من جديد من خلال عمليات الجمع، والفك، والترميم، وإعادة التركيب.